الكانيون الملون وحفرة الزرقاء: حيث تلتقي صحراء سيناء بالبحر الأحمر

الكانيون الملون وحفرة الزرقاء: حيث تلتقي صحراء سيناء بالبحر الأحمر

يتخيّل معظم زوّار مصر المعابد والرمال بلون العظام. غير أن سيناء تعيد ترتيب هذه الصورة بطريقتها الخاصة. فعلى مسافة ساعة واحدة من بعضهما يقع مشهدان يبدوان وكأنهما ينتميان إلى كوكبين مختلفين: ممر رملي ضيق قرب نويبع مخطط بالأحمر والأرجواني والأصفر الترابي، ودائرة شبه كاملة من الماء قبالة ساحل دهب تنحدر عموديًا لأكثر من مئة متر. لم يبنِ الإنسان أيًا من هذين المشهدين؛ بل بنتهما الجيولوجيا والماء والزمن، وأصبح كلاهما محطة لا غنى عنها لكل من يجوب الساحل الشرقي لسيناء.

كثيرًا ما يُذكر الكانيون الملون وحفرة الزرقاء معًا في برامج الرحلات، وذلك أساسًا لقربهما من قاعدة واحدة، وهي بلدة دهب، القرية التي كانت يومًا قرية صيد بدوية ثم تحولت إلى مركز غوص هادئ ما زال يحتفظ بإيقاعه البطيء مقارنة بكثافة المنتجعات في شرم الشيخ الواقعة على بُعد ساعة تقريبًا جنوبًا. لكن ما لا تشرحه برامج الرحلات دائمًا هو لماذا يستحق هذان الموقعان المختلفان تمامًا في طابعهما اهتمامًا حقيقيًا لا مجرد توقف عابر للتصوير.

كانيون نحتته السيول الفجائية لا الأنهار

الكانيون الملون ممر صخري ضيق يمتد نحو ثمانمئة متر، ترتفع جدرانه في بعض المواضع أربعين مترًا بينما يضيق الممر بينها إلى ما لا يتجاوز عرض الكتف. لم يُنحت ببطء على يد نهر كما حدث مع الجراند كانيون، فالصخر الرملي هنا ترسّب في قاع بحر قديم منذ نحو ثلاثين إلى خمسين مليون سنة، ثم رفعته ذات الحركة التكتونية التي فتحت خليج العقبة والبحر الأحمر. أما الشكل المتعرج للكانيون فقد نحتته قرون من السيول الفجائية، تلك الأمطار الصحراوية النادرة لكن العنيفة التي استغلت خطًا صدعيًا في الصخر ووسّعت الشق تدريجيًا حتى صار ممرًا.

وهذا الأصل العنيف هو ما يفسّر أيضًا ألوان الصخر. فالخطوط المتداخلة فيه — الأحمر الصدئ، الأرجواني الداكن، الأبيض الباهت، الأصفر الخردلي — ناتجة عن معادن مختلفة ترسّبت في الصخر الرملي عبر عصور جيولوجية متعاقبة: أكسيد الحديد يمنح الأحمر والبرتقالي، والمنغنيز يمنح الأرجواني الداكن والأسود، فيما يمنح السيليكا وكربونات الكالسيوم الطبقات الأفتح لونًا. والسير داخل الكانيون أقرب إلى عبور مقطع من الزمن السحيق منه إلى نزهة عادية، إذ يمثّل كل لون فصلًا مختلفًا من تلك الحكاية.

دهب: البلدة التي نشأت حول الغوص

تستحق دهب نفسها وقفة قبل الانتقال إلى حفرة الزرقاء، لأن طابع البلدة يشكّل طريقة تجربة الموقع الغطسي. كانت يومًا مستوطنة صيد بدوية هادئة على خليج العقبة، ثم تطورت في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي لتصبح وجهة محببة لدى الرحّالة والغواصين بإيقاع مختلف تمامًا عن مدن المنتجعات الكبرى في مصر — مبانٍ منخفضة، ومقاهٍ على الشاطئ تُفرش فيها الوسائد بدل الكراسي، وكورنيش يمتد عبر منطقتي "اللايت هاوس" و"مشربة"، بُني كله تقريبًا حول فكرة إدخال الناس إلى الماء.

ولهذا التاريخ أهميته، لأن حفرة الزرقاء تقع على بُعد مسافة قصيرة شمال البلدة، قريبة بما يكفي لتكون نزهة نصف يوم لا رحلة استكشافية كبرى. فيتوافد إليها هواة الغطس السطحي، والغواصون المبتدئون، ومَن يرغبون فقط في النظر فوق حافة الشعاب المرجانية، جنبًا إلى جنب مع مجتمع الغوص التقني الذي اشتهر به الموقع لدى المتخصصين حول العالم.

جدران الكانيون الملون الرملية المتدرجة الألوان في سيناء، التي شكّلتها رواسب أكسيد الحديد والمنغنيز والمعادن على مدى عشرات ملايين السنين.
جدران الكانيون الملون الرملية المتدرجة الألوان في سيناء، التي شكّلتها رواسب أكسيد الحديد والمنغنيز والمعادن على مدى عشرات ملايين السنين.

شاهد الاثنين في يوم واحد

يقع الكانيون الملون وحفرة الزرقاء على مسافة قريبة بما يكفي ليشملهما برنامج يوم واحد بارتياح؛ تسلّق صباحي عبر الصخور الرملية المخططة، ثم عصر على أشهر شعاب البحر الأحمر المرجانية. تتكفل هذه الرحلة من إيجيبت صن ترافل بتنظيم المواصلات والتوقيت، وما عليك سوى الحضور.

حفرة الزرقاء: فتحة غاطسة عمقها مئة وثلاثون مترًا

حفرة الزرقاء فتحة بحرية غاطسة شبه دائرية يبلغ قطرها عند السطح نحو ستين مترًا، تحيط بها شعاب مرجانية ضحلة ترتفع إلى ما يقارب مترًا أو مترين من السطح، وهو ما يسمح للزائر بالوقوف على الحافة والنظر مباشرة إلى مياه تتدرج من الفيروزي إلى الأزرق الداكن العميق كلما ابتعدت القاعدة عن الأنظار. وفي أعمق نقطة لها، تصل الحفرة إلى نحو مئة وثلاثين مترًا، وتتصل بالبحر المفتوح عبر نفق طبيعي يُعرف بـ"القوس"، تقع سقفه عند عمق نحو خمسة وخمسين مترًا.

أما بالنسبة للغواصين الهواة ومرتادي الغطس السطحي، فإن جاذبية حفرة الزرقاء بسيطة ومباشرة: مياه البحر الأحمر الصافية الدافئة، ومرجان صحي حول الحافة، وجدار مهيب ينحدر إلى الزرقة بدل الانحدار التدريجي المعتاد. والمنطقة السطحية وحافة الشعاب الضحلة تجربة مختلفة تمامًا عما يحدث في الأعماق، والغالبية العظمى من الزوار الذين يأتون للسباحة أو الغطس السطحي أو الغوص الترفيهي ضمن الحدود المعتادة للعمق لا يختبرون سوى شعاب مرجانية بديعة المنظر.

القوس، وكلمة صريحة عن سمعة الموقع

لا يكتمل الحديث عن حفرة الزرقاء دون الإشارة إلى سبب حملها سمعة أثقل لدى الغواصين من معظم مواقع البحر الأحمر الأخرى. فنفق "القوس" الذي يصل الحفرة بالمياه المفتوحة عند عمق خمسة وخمسين مترًا استقطب غواصين تقنيين، وأحيانًا غير مؤهلين بالقدر الكافي، حاولوا عبوره كتحدٍ شخصي، إذ يقع هذا العمق بعيدًا عن الحد الأقصى المتعارف عليه للغوص الترفيهي، والمحدد عمومًا بنحو أربعين مترًا. وقد سجّل الموقع على مدى العقود عددًا غير متناسب من حوادث الغوص المميتة، ارتبطت كلها تقريبًا بمحاولات عبور القوس دون التدريب على خلطات الغاز وتخطيط استهلاكه والشهادة التي يتطلبها هذا الممر فعليًا.

وقد استجابت جهات الغوص المصرية لذلك: فأصبح الحد الأدنى المطلوب لمحاولة عبور القوس شهادة "تِك 60"، كما يتمركز ضابط سلامة عند الموقع للتأكد من أن الغواصين يعملون برفقة مرشد معتمد. ولا يمسّ شيء من هذا تجربة الزائر العادي، فسباحة الغطس السطحي حول الحافة، أو الغوص على جدار الشعاب ضمن الحدود الترفيهية، أو حتى مجرد المشي إلى الحافة للنظر إلى الأسفل، جميعها أنشطة اعتيادية جيدة الإشراف يمارسها آلاف الزوار كل عام دون أي حادث — تمامًا كما قد تكون قمة جبل شهير خطرة فعلًا على المتسلقين الساعين لتسجيل رقم تقني، بينما تبقى مساراته السفلى نزهة بعد ظهر آمنة لبقية الناس.

مشهدان في عصر واحد

ما يجعل الجمع بين الكانيون الملون وحفرة الزرقاء خيارًا موفقًا ليوم واحد ليس القرب الجغرافي وحده، رغم أنه عامل مساعد، بل التباين بينهما. فالأول ممر جاف ضيق مخطط بالمعادن يُعبر سيرًا على الأقدام، شكّلته سيول عنيفة نادرة على مدى عشرات ملايين السنين، والثاني بِركة زرقاء شبه بلا قاع يُنظر إليها من حافة شعاب مرجانية، شكّلتها ذات القوى التكتونية التي شقّت البحر الأحمر نفسه. ومشاهدة الاثنين في يوم واحد تمنح فكرة أكثر اكتمالًا عن كيفية تشكّل مشهد سيناء الطبيعي مما يمنحه كل موقع بمفرده.

نادرًا ما تحظى سيناء بالاهتمام نفسه الذي يحظى به وادي النيل أو آثار القاهرة في برنامج الزائر لأول مرة، لكنها تحمل حكاية مصرية مختلفة، مكتوبة في طبقات الصخر والمرجان لا في الهيروغليفية، ولا سبيل حقيقيًا لفهمها سوى الوقوف فعليًا داخل الكانيون أو النظر فوق حافة الشعاب، لا القراءة عنهما من بعيد.

يوميات السفر