أبو الهول الأعظم في الجيزة: عمره ومن بناه ولغز أنفه المفقود

أبو الهول الأعظم في الجيزة: عمره ومن بناه ولغز أنفه المفقود

يعرف أغلب الزوار أبا الهول الأعظم بوصفه خلفية للصور في الطريق إلى الأهرامات، أصغر مما توقعوا ومدفونًا جزئيًا في غبار الهضبة. غير أنه تمثال ضخم منحوت عمره نحو 4500 عام، وأحد أقدم المنحوتات الكبيرة التي ما زالت قائمة. (وهو ليس أقدم عمل ضخم في العالم، فمنشآت جوبكلي تبه الحجرية في تركيا أقدم منه بنحو 6000 عام.)

هذا المقال ليس مدخلًا عامًا إلى الجيزة. وللاطلاع على الزيارة الشاملة راجع نظرة عامة على هضبة الجيزة، وعن الملك الذي يُنسب إليه التمثال عادة راجع دليل هرم خفرع. نتناول هنا كيف نُحت أبو الهول، وما جرى لأنفه، والحلم المدوّن على لوحته، وجدل تأريخه، وكيفية زيارته.

كيف بُني أبو الهول؟

خلافًا للأهرامات المشيّدة كتلة فوق كتلة، نُحت أبو الهول بالحفر لا بالبناء. فقد عزل العمال نتوءًا من الصخر الجيري داخل محجر في الهضبة، ونحتوا جسد الأسد والرأس الملكي من تلك الكتلة الواحدة. والمنخفض المحيط به، أي خندق أبو الهول، هو فراغ المحجر الذي خلّفه رفع الصخر المحيط.

وتفسّر هذه الطريقة سبب أن الجزء السفلي من الجسد، المنحوت من طبقات أليَن وأسرع تأثرًا بالتعرية، أسوأ حالًا من الرأس المنحوت من حجر أصلب في موضع أعلى من التكوين نفسه. وتعني كذلك أن التمثال لا يمكن نقله ولا فصله عن الهضبة، فالتمثال والصخر جسم واحد.

وقد ربطت أعمال المسح منذ الثمانينيات، ومنها مشروع رسم خرائط هضبة الجيزة بقيادة مارك لينر، بين حجر معبد أبو الهول المجاور والطبقات المستخرجة من الخندق. ويرجَّح أن الكتل التي أُزيلت عند تشكيل الجسد أُعيد استعمالها في المعبد الذي أمامه، فيبدو التمثال والمعبد جزأين من برنامج بناء واحد.

من بنى أبو الهول؟ نسبته إلى خفرع

يُنسب أبو الهول في الرأي العلمي السائد إلى خفرع، الذي يقوم هرمه، ثاني أكبر أهرامات الجيزة، خلفه مباشرة. ويجاور طريقه الصاعد ومعبد واديه ساحة أبو الهول، وتربط معطيات المحجر النحت بأعمال البناء في عهده، وقورن الوجه بتماثيل خفرع الباقية. والتاريخ المعتمد نحو عام 2500 ق.م.

ولا يحظى هذا النسب بإجماع. فقد اقترح بعض علماء المصريات خوفو أو أخا خفرع جدف رع، ولا يوجد نقش معاصر يسمّي صاحب التمثال. ويبقى خفرع الجواب المعتمد في المراجع، وهو النسب الذي تسعى نظريات التأريخ البديلة الواردة أدناه إلى الطعن فيه.

شاهد أبو الهول مع من يستطيع أن يشرحه فعليًا

يستحق أبو الهول نظرة متأنية ومرشدًا قادرًا على الإشارة إلى ما تخفيه الرمال عادة — خندق المحجر، أساسات المعبد، اللوحة الجرانيتية بين قدميه. تجمع رحلات إيجبت صن ترافل هذه بين أبو الهول والأهرامات ومنف وسقارة، مع مرشد أثري مرخّص يتولى الشرح.

لماذا فُقد أنف أبو الهول؟

تقول الرواية الشائعة إن جنود نابليون أطلقوا النار على الأنف. والأرجح أنها غير صحيحة، فرسم يعود إلى عام 1737 للرحالة الدنماركي فريدريك لودفيغ نوردن، قبل وصول الفرنسيين عام 1798 بعقود، يُظهر الوجه بلا أنف.

ويفضّل أغلب الباحثين تفسير الأمر بتحطيم متعمد في فترة تحطيم دينية للتماثيل المجسَّمة. ويبدو أن الأنف أُزيل بالأدوات ولم يتآكل، وتذكر بعض الروايات واعظًا صوفيًا هو محمد صائم الدهر في القرن الرابع عشر، غير أن هذه النسبة تستند إلى مصادر متأخرة وهزيلة. ويقترح رأي أقلية انكسارًا طبيعيًا لجزء بارز في وجه متآكل.

واللحية الاحتفالية أُضيفت إلى التمثال لاحقًا. وتُحفظ شظايا عُثر عليها في القرن التاسع عشر في المتحف البريطاني، وقطع أخرى في المتحف المصري بالقاهرة؛ ويحسن التحقق من مكان عرض قطع القاهرة، إذ تُنقل المجموعات إلى المتحف المصري الكبير.

ماذا تقول لوحة الحلم؟

بين مخلبَي أبو الهول الأماميين لوحة من الجرانيت ارتفاعها نحو 3.6 أمتار، هي لوحة الحلم، أقامها تحتمس الرابع نحو عام 1400 ق.م، أي بعد نحت التمثال بنحو ألف عام. وتروي أن الأمير، وهو يستريح في ظل أبو الهول أثناء رحلة صيد، حلم بأن الإله حورمخت، وقد غمرته الرمال، وعده بالعرش إن أزال الرمال عن جسده.

ويبدو أن تحتمس الرابع لم يكن وليّ العهد المقرر، ويقرأ كثير من المؤرخين اللوحة بوصفها دعاية ملكية، أي تبريرًا إلهيًا كُتب بعد الواقعة. وأيًّا كانت حقيقة الحلم، فقد أزال عماله الرمال وأضافوا سورًا من الطوب اللبن، وهو أول ترميم موثّق للنصب.

واكتُشفت اللوحة عام 1817 في حفائر قادها جيوفاني باتيستا كافيليا، وما زالت قائمة بين المخلبين ويمكن رؤيتها من الشرفة.

أنقاض معبد أبو الهول، المبني من كتل حجر جيري استُخرجت مباشرة من الخندق المحيط بأبو الهول أثناء نحته.
أنقاض معبد أبو الهول، المبني من كتل حجر جيري استُخرجت مباشرة من الخندق المحيط بأبو الهول أثناء نحته.

كم مرة دفنت الرمال أبا الهول؟

لم تكن إزالة تحتمس الرابع الأولى ولا الأخيرة. فأبو الهول عند حافة صحراء نشطة، وبلا أعمال منتظمة تستعيد الرمال الجزء السفلي من الجسد في غضون أجيال. وتُنسب إلى رمسيس الثاني أعمال ترميم أخرى في القرن الثالث عشر ق.م، ثم دُفن التمثال مجددًا.

وأهم حفائر العصر الحديث جرت بين عامي 1936 و1938 بقيادة سليم حسن، الذي أزال الرمال حتى أرضية الساحة وكشف معبد أبو الهول. وقبل ذلك لم يرَ رحالة القرن التاسع عشر فوق الرمال إلا الرأس وأعلى الصدر.

ما هو معبد أبو الهول؟

أمام أبو الهول أسس معبده، الذي يصوّره أغلب الزوار دون أن يدركوا ما هو. وقد بُني من حجر الخندق حول فناء مفتوح تحيط به أعمدة، تذكر إعادات البناء أنها أربعة وعشرون.

وظل المعبد غير مكتمل أو مكتملًا جزئيًا، ويتجادل الباحثون في السبب؛ ويربطه بعضهم بنهاية عهد خفرع، لكنه مجرد فرضية. كما أشار لينر إلى اتجاه المعبد نحو شروق الشمس وغروبها في الاعتدالين، وهو تفسير آخر لا حقيقة مسلّمة. ولم يبقَ اليوم سوى مخطط منخفض من الأحجار، لكنه من أوضح الصلات المادية بين التمثال وبُناة الأسرة الرابعة. وعن العمال القائمين على هذه المشروعات راجع من بنى الأهرامات.

كم عمر أبو الهول؟ جدل التأريخ

التاريخ المعتمد، نحو 2500 ق.م في عهد خفرع، يأخذ به الغالبية العظمى من علماء المصريات، ويستند إلى طبقات المحجر والطراز وصلات معبد أبو الهول بمعبد وادي خفرع.

ويرى رأي أقلية يرتبط بالجيولوجي روبرت شوخ منذ أواخر الثمانينيات أن تآكل الجسد وجدران الساحة ناتج عن أمطار غزيرة، ما يعني مناخًا أكثر رطوبة بكثير ويرجع بالأصل إلى 7000 ق.م أو قبلها. وهذه فرضية التعرية المائية.

ويرفضها علم المصريات السائد، فالتآكل المتفاوت يفسّره اختلاف صلابة الحجر الجيري، ومعبد أبو الهول يربط التمثال بأعمال خفرع، ولم يُعثر في مصر على أدوات أو مستوطنات أو منحوتات مماثلة بهذا القِدم. وتبقى فرضية أقلية بين علماء المصريات والجيولوجيين، وأفضل ما تُعامل به أنها حاشية في تاريخ البحث عن أبو الهول.

كيف تزور أبا الهول؟

أبو الهول مشمول بتذكرة هضبة الجيزة العادية وعلى مسافة قصيرة سيرًا من الأهرامات، لذا يراهما أغلب الناس في زيارة واحدة. وتُلتقط الصورة الأمامية المعتادة من الشرفة قرب معبده؛ ويتيح المشي نحو بداية طريق خفرع الصاعد إدراكًا أفضل لطوله ولقلة عمق الخندق. وللتذاكر والمواعيد والمسار الكامل راجع دليل أهرامات الجيزة.

والصباح الباكر أفضل لضوئه الألطف وحرارته الأخف وقلة الحافلات. ولا ظل حول الساحة، فيلزم قبعة وماء في الأشهر الحارة. والتصوير مسموح للاستعمال الشخصي؛ ومن يعرض عليك تصوير جمل أو التقاط صورتك مقابل مال سينتظر بقشيشًا. ويفيد المرشد في ملاحظة ما يفوت بسهولة: خندق المحجر وأساسات المعبد واللوحة بين المخلبين.

أسئلة شائعة

كم عمر أبو الهول الأعظم؟

يؤرخه أغلب علماء المصريات بنحو عام 2500 ق.م في عهد خفرع، أي قرابة 4500 عام. ويرى عدد قليل من الجيولوجيين، منهم روبرت شوخ، أنه أقدم بكثير استنادًا إلى تآكل يُعزى إلى المياه، لكن هذا الرأي يرفضه الباحثون عمومًا.

هل يمكن دخول أبو الهول أو لمسه؟

لا. أبو الهول تمثال منحوت صلد بلا غرف يمكن دخولها، وهو محاط بسياج. يُشاهد من شرفة ومن الممرات المحيطة بالساحة، ولا يُسمح بتسلّقه أو لمسه.

لماذا فُقد أنف أبو الهول؟

كُسر الأنف عمدًا قبل نابليون بزمن طويل، وقد اتُّهم جنوده ظلمًا، إذ يُظهر رسم يعود إلى عام 1737 الوجه بلا أنف. وأكثر التفسيرات قبولًا هو التحطيم الديني في العصور الوسطى، لكن التاريخ الدقيق والفاعل مجهولان.

هل أبو الهول مشمول في تذكرة الجيزة؟

نعم. تغطي تذكرة الهضبة العادية أبا الهول ومنطقة معبده والواجهات الخارجية للأهرامات الثلاثة الكبرى، أما الدخول إلى داخل الأهرامات فيُدفع له رسم إضافي.

من بنى أبو الهول الأعظم؟

الرأي السائد أنه نُحت للملك خفرع، صاحب الهرم الثاني في الجيزة. واقترح بعض الباحثين خوفو أو جدف رع، ولا يوجد نقش من العصر نفسه يذكر صاحب التمثال.

تابع الاستكشاف

يوميات السفر