الصحراء البيضاء وواحة الباويطي: داخل المشهد القمري الساحر في مصر

الصحراء البيضاء وواحة الباويطي: داخل المشهد القمري الساحر في مصر

معظم المعالم الطبيعية الشهيرة في مصر هي في الأصل مبانٍ شيّدها الإنسان؛ المعابد والمقابر والأهرامات، وهي حصيلة عمل متراكم لشعب عاش على ضفاف النيل منذ خمسة آلاف عام. أما الصحراء البيضاء فهي استثناء من هذه القاعدة، إذ إنها المكان الوحيد في البلاد الذي أنتجت فيه الطبيعة، لا الحضارة، مشهداً يجعل الزائر يتوقف عن الكلام فجأة: سهل من الصخور الطباشيرية الشاحبة، نحتته آلاف السنين من الرياح المحمّلة بالرمال إلى أشكال لا تبدو فعلاً وكأنها تنتمي إلى هذا الكوكب؛ فطريات، أبو الهول، مخروط آيس كريم نصف ذائب بحجم منزل، وشكل أطلق عليه المسافرون اسم "الدجاجة" لأسباب تتضح فور الوصول.

تقع الصحراء البيضاء في أعماق الصحراء الغربية، على بعد نحو 500 كيلومتر من القاهرة، وحوالي 45 كيلومتراً شمال واحة الفرافرة، والوصول إليها يعني قيادة السيارة لساعات عبر رمال مستوية خالية من أي معالم قبل أن تبدأ أولى النتوءات البيضاء بالظهور عند الأفق كأنها جبال جليدية. وتُعد هذه الرحلة بحد ذاتها جزءاً من التجربة، وكذلك بلدة الباويطي الواحية، البوابة العملية التي تمر منها كل رحلة تقريباً إلى الصحراء البيضاء؛ مكان من بساتين النخيل والينابيع المعدنية الساخنة وتاريخ متعدد الطبقات نادراً ما يحظى بأكثر من إشارة عابرة قبل أن يواصل الزوار طريقهم نحو الصخور الطباشيرية.

قاع بحر تحوّل إلى حجر، ثم نحتته الرياح

الجيولوجيا هي الجزء الذي نادراً ما يسأل عنه الزوار، وهي في الوقت ذاته الجزء الذي يجعل كل شيء آخر مفهوماً. فمنذ نحو مئة إلى ستة وستين مليون سنة، كانت هذه الرقعة بأكملها من الصحراء الكبرى تستقر في قاع بحر تيثيس القديم. وقد عاشت ومات هناك طحالب بحرية مجهرية تُعرف بالكوكوليثوفورات بأعداد لا تُحصى، وترسّبت أصدافها الكلسية طبقة فوق طبقة على قاع البحر حتى تضاغطت لتُكوّن طبقة سميكة من الطباشير والحجر الجيري الأبيض الطري، وهي من الناحية الجيولوجية المادة الأساسية ذاتها التي تتكون منها أجراف دوفر البيضاء في إنجلترا.

وحين انحسر البحر في نهاية المطاف وجفّت الصحراء الكبرى لتصبح صحراء بالمعنى المعروف، بقيت طبقة الطباشير تلك مكشوفة أمام إحدى أشد قوى التعرية قسوة على سطح الأرض: رياح صحراوية مستمرة محمّلة بالرمال. والطباشير صخر طري لا يتآكل بانتظام؛ فالطبقات الأصلب تقاوم مدة أطول من الحجر الأكثر ليونة الذي تحتها، وهذا ما يفسّر لماذا تنتهي كثير من التكوينات بأشكال ثقيلة من أعلى، تاج أبيض عريض يتوازن فوق ساق متضائلة. ويقدّر الجيولوجيون أن هذه التكوينات الحالية ما زالت تتشكّل منذ نحو ثلاثين مليون سنة، وهذا يعني أن الفطر الذي تلتقطون له الصور بدأ في الأصل كتلة صخرية موحّدة من قاع البحر، قبل أن توجد أي صحراء من حوله بوقت طويل.

التخييم وسط الطباشير، بعد رحيل زوار النهار

تتغيّر طبيعة الصحراء البيضاء تماماً بعد غروب الشمس. والرحلات النهارية موجودة وتستحق العناء، لكنها تفوّت الأمر الذي يُحدّد حقيقة هذا المكان لدى معظم المسافرين الذين يخوضون التجربة كاملة: مخيّم ليلي يُقام مباشرة وسط التكوينات الصخرية، من دون خيام بالمعنى التقليدي في أغلب الأحيان لدى معظم منظمي الرحلات، بل مجرد فُرُش وأكياس نوم تُفرش فوق الرمال المكشوفة، ونار معسكر، ومرشد بدوي قضى على الأرجح حياته العملية كلها وهو يحفظ أي كثيب يؤدي إلى أين.

ومع انعدام أي تلوث ضوئي على امتداد عشرات الكيلومترات في كل اتجاه، تُعد السماء الليلية فوق الصحراء البيضاء من أكثر السماوات اكتمالاً التي قد يراها المرء على الإطلاق؛ إذ يظهر درب التبانة كشريط كثيف ومرئي بوضوح وليس كمجرد فكرة مجردة، بينما تتوهج التكوينات الصخرية الشاحبة حول المخيّم بضوء أزرق مائل إلى البياض تحت ضوء النجوم، يكاد يبدو متلألئاً من ذاته. وتحمل الصباحات مشهداً مختلفاً تماماً، إذ يتحرّك ضوء الشروق ببطء عبر الطباشير، فيلوّنه بالذهبي ثم بالوردي ثم يعيده إلى البياض مع ارتفاع الشمس فوق الأفق، فيما تتقلب درجة الحرارة من ليلة صحراوية باردة فعلياً إلى صباح صحراوي دافئ خلال نحو ساعة واحدة.

تكوينات طباشيرية نحتتها الرياح في الصحراء البيضاء المصرية، تشكّلت على مدى ملايين السنين من التعرية.
تكوينات طباشيرية نحتتها الرياح في الصحراء البيضاء المصرية، تشكّلت على مدى ملايين السنين من التعرية.

عايِن الصحراء البيضاء بنفسك

تُسطّح الصور الفوتوغرافية الصحراء البيضاء إلى شيء يكاد يكون عادياً. أما الوقوف وسط التكوينات الطباشيرية عند الغروب، أو الاستيقاظ عليها عند الفجر من داخل كيس نوم فوق الرمال، فتجربة مختلفة تماماً. تنظّم رحلات إيجيبت صن ترافل الصحراوية هذه التجربة بأمان، برفقة مرشد وسائق خبير يعرف التضاريس جيداً.

الصحراء السوداء وجبل الكريستال في الطريق

يمرّ تقريباً كل طريق بين الباويطي والصحراء البيضاء عبر الصحراء السوداء، وهي مشهد طبيعي مختلف تماماً ولا يقل إثارة؛ امتداد من التلال المخروطية المغطاة بالبازلت الداكن والصخور البركانية الغنية بالحديد، وهي بقايا ثورات بركانية وقعت منذ ملايين السنين. ومن بعيد، تبدو هذه التلال وكأنها كثبان رملية عادية رُشّ عليها السخام، أما عن قرب فيخلق الحجر الأسود فوق الرمال الفاتحة مشهداً يكاد يُصوَّر بالأبيض والأسود وحده، ويتوقف أغلب السائقين عند نقطة مشاهدة لتمكين الزوار من تسلق إحدى التلال المنخفضة للاستمتاع بالمنظر عبر السهل.

وأبعد قليلاً، في منتصف المسافة تقريباً بين الباويطي والفرافرة، يكسر جبل الكريستال الرتابة من جديد؛ تلّة منخفضة متخللة بعروق من بلورات الكالسيت والباريت لا الكوارتز الحقيقي، تعكس الضوء في ومضات حادة وزجاجية بينما ينحني الطريق بجانبها. لا تستغرق أي من هذه التوقفات وقتاً طويلاً، لكنها مجتمعة تحوّل الرحلة بالسيارة نفسها إلى جولة جيولوجية من نوعها، ثلاثة مشاهد طبيعية مختلفة تماماً خلال بضع ساعات فقط، وقبل أن تظهر تكوينات الصحراء البيضاء الطباشيرية في الأفق أصلاً.

واحة الباويطي: ينابيع ساخنة ونخيل وتاريخ مدفون

غالباً ما تُعامَل الباويطي نفسها كمحطة توقف وتزوّد، وهذا تقليل كبير من شأنها. تمتد الواحة على نحو ألفي كيلومتر مربع من بساتين النخيل والزيتون والتمر، وينابيع معدنية ساخنة تغذّيها آبار ارتوازية طبيعية، يفتح بعضها للاستحمام في ختام يوم مغبر، ومن بينها ينابيع يُشاع أنها تخفف آلام المفاصل والعضلات ويستخدمها السكان المحليون منذ أجيال. وخلال الحرب العالمية الثانية، استخدم البريطانيون الباويطي قاعدة صحراوية، وما زالت أطلال تلك الحقبة قائمة بهدوء على أطراف الواحة، شبه منسية بجوار تاريخ أقدم بكثير.

وذلك التاريخ الأقدم ثريّ فعلاً، فقد كانت الباويطي مركزاً لإنتاج النبيذ في مصر اليونانية الرومانية، وفي عام 1996 اشتهرت دولياً بعد أن تعثّر حمار عن طريق الصدفة في جزء مما يُعرف الآن بوادي المومياوات الذهبية؛ وهي مقبرة يونانية رومانية هائلة تضم آلاف المومياوات، كثير منها يحمل أقنعة مذهّبة وملوّنة من الكرتوناج، ولم يُنقَّب منها حتى الآن سوى جزء يسير. وهو تذكير بأن مصر، حتى في محطة تزوّد صحراوية مغبرة، قد تكون قائمة فوق أحد أكبر مواقع الدفن غير المكتشفة في القرن الماضي.

موقع الصحراء البيضاء من الحكاية المصرية الأكبر

تتبع معظم الرحلات إلى مصر مسار النيل؛ القاهرة والأقصر وأسوان، النهر الذي يفسّر تقريباً كل شيء عن بقاء هذه الحضارة وازدهارها على مدى آلاف السنين. أما الصحراء البيضاء فتقع خارج هذه الحكاية بالكامل، وهي تذكير بأن مصر أيضاً من أكثر بلدان العالم جفافاً وخلواً وغرابة من الناحية الجيولوجية، وأن صحاريها لم تكن يوماً مجرد عقبات تفصل بين مستوطنات النيل، بل عُبرت وسُكنت واستُخرج منها الكريستال، وفي حالة الباويطي استُخدمت بهدوء مقبرة على نطاق ما زال علماء الآثار يعملون على استيعابه.

وبالنسبة إلى المسافرين الذين شاهدوا المعابد والمقابر فعلاً، تقدّم الصحراء البيضاء شيئاً لا يستطيع وادي النيل تقديمه؛ ليلة لا يعلوها أي تاريخ مطلقاً، فقط ريح وطباشير وسماء مليئة بالنجوم بدت تماماً على الهيئة ذاتها حين كانت تلك المعابد تُنحت للمرة الأولى.

تابع الاستكشاف

يوميات السفر