ممفيس أصعب المواقع الكبرى قرب القاهرة في التوفيق بين أهميتها وما يُرى منها اليوم. فأهرامات الجيزة تظهر من الطريق السريع، وسقارة ما زالت فيها أهرامات قائمة ومقابر ملونة، أما ممفيس فمتحف مفتوح صغير بجوار قرية ميت رهينة، أُقيم فوق ما كان المركز الإداري للدولة المصرية المبكرة.
وهذه الفجوة هي القصة نفسها. فالأهرامات كانت مقابر ملكية على حافة الصحراء، بينما قامت المدينة الحية في سهل النهر، حيث محا النيل ولصوص الحجارة وقرون إعادة البناء أغلب آثارها. يبيّن هذا الدليل ما كانت عليه ممفيس، ولماذا لم يبقَ منها إلا القليل، وما يمكن رؤيته، وكيفية الزيارة.
من أسّس ممفيس، ولماذا بُنيت في هذا الموضع؟
تنسب التقاليد القديمة، التي دوّنها هيرودوت وقوائم الملوك بعد قرون، تأسيس المدينة إلى مينا، أول ملوك مصر الموحدة. ويرجّح علماء المصريات أنه نعرمر أو حور-عحا، نحو عام 3100 ق.م، وإن ظل تاريخ التأسيس الدقيق غير مؤكد.
كان الموقع عند ملتقى مصر العليا، وهي الوادي الجنوبي، ومصر السفلى، وهي الدلتا، وهو ما ناسب عاصمة لا تنتمي إلى أي من النصفين. ويذكر هيرودوت أن مينا حوّل مجرى النيل ليحصل على أرض جافة. ويعني الاسم الأقدم للمدينة، إنب-حدج، الأسوار البيضاء، ولعله يشير إلى سور ملكي مطلي بالجير.
كم دامت ممفيس عاصمة، وما معبد بتاح؟
ظلت ممفيس عاصمة طوال العصر العتيق والدولة القديمة، التي استمرت وحدها نحو خمسة قرون، من نحو 2686 إلى 2181 ق.م. ومن هنا حكم الملوك الذين بنوا أهرامات الجيزة وسقارة. ثم انتقل المركز الملكي إلى إثج-تاوي في الدولة الوسطى، وإلى طيبة، ثم إلى الإسكندرية في عهد البطالمة، لكن ممفيس ظلت مدينة مهمة أكثر من ألفي عام.
وكانت كذلك مركز عبادة بتاح، إله الخلق وراعي الحرفيين. ومعبده الكبير، حوت-كا-بتاح، هو أصل الاسم اليوناني أيغيبتوس الذي اشتُقت منه كلمة مصر في اللغات الأوروبية. وكانت تُقام في المعبد مراسم التتويج والأعياد اليوبيلية، وتذكر المصادر أن الإسكندر الأكبر تُوِّج فيه عام 332 ق.م.
زوروا ممفيس برفقة مرشد
تتضح قيمة ممفيس حين يشرح لك أحدهم ما كان قائمًا هنا. تجمع رحلات إيجبت صن ترافل بين ممفيس والجيزة وسقارة، برفقة عالم مصريات مرخّص وسيارة خاصة مكيّفة.
لماذا لم يبقَ من ممفيس القديمة إلا القليل؟
تفسر ذلك ثلاثة عوامل. فقد غيّر النيل مجراه على مدى آلاف السنين، فدفن المراحل الأولى من المدينة تحت أمتار من الطمي وجرف مراحل أخرى. وعلى عكس الهضاب الصحراوية الجافة، لم يترك السهل الفيضي للحجارة فرصة كبيرة للبقاء سليمة.
وتكفّلت إعادة استخدام الحجارة بالباقي. فمنذ العصر الإسلامي المبكر صارت الأطلال محجرًا للفسطاط ثم للقاهرة، وكان بُناة العصور الأسبق قد نقلوا كتلًا منها إلى مشاريع في أماكن أخرى. وأخيرًا، سُكنت ممفيس بلا انقطاع أكثر من ثلاثة آلاف عام، وبنى كل عصر فوق سابقه، فما بقي موقع منهوب متراكب الطبقات لا صورة لعصر واحد.
ماذا ترى في متحف ميت رهينة المفتوح؟
القطعة الرئيسية هي التمثال الضخم الساقط لرمسيس الثاني من الحجر الجيري، ويبلغ طوله نحو 10 أمتار وتنقصه الساقان السفليان، وهو راقد في جناح يتيح ممشى مرتفعًا للاقتراب من الوجه. وهو أحد تمثالين ضخمين من المعبد؛ أما الآخر المصنوع من الجرانيت فيقف اليوم في المتحف المصري الكبير. وتجد القصة الكاملة في دليل تمثالَي رمسيس الثاني الضخمين.
وبالقرب منه أبو الهول المصنوع من الألباستر، المنحوت من الكالسيت، ويبلغ طوله نحو 8 أمتار ويُقدَّر وزنه بين 80 و90 طنًا. ويرجع إلى الأسرة الثامنة عشرة ولا يحمل نقشًا، ولذلك تُناقَش هويته الملكية، وقد رُشّح لها حتشبسوت وأمنحتب الثاني وأمنحتب الثالث.
ويضم الحديقة أيضًا شظايا أعمدة وتماثيل ولوحات من معبد بتاح، لكن ما بقي أقل من أن يتيح تتبع مخطط المعبد على الأرض. وثمة منشأة مستقلة هي بيت تحنيط عجول أبيس المقدسة، وفيه موائد تحنيط كبيرة، اكتشفه أحمد بدوي عام 1941. أما العجول نفسها فكانت تُدفن في سرابيوم سقارة.
ما صلة ممفيس بالجيزة وسقارة؟
الجيزة وسقارة جبانتان بُنيتا في الصحراء الجافة لتدوما، وقد دامتا. أما ممفيس فكانت المدينة الحية التي خدمتهما، أقيمت على أرض خصبة قابلة لإعادة الاستخدام، وكاد أثرها يزول. وبدونها تفقد المقابر سياقها.
وتعاملها اليونسكو بوصفها كلًّا واحدًا: فقد أُدرجت ممفيس ومقبرتها، أي حقول الأهرامات من الجيزة إلى دهشور، في قائمة التراث العالمي عام 1979. وللاطلاع على التوزيع العام لحقول الأهرامات راجع نظرة عامة على هضبة الجيزة.
كيف تزور ممفيس؟
يصل أغلب الزوار إلى ممفيس ضمن يوم يشمل الجيزة وسقارة، وهذا الترتيب مناسب: فالمتحف صغير وظليل ونادرًا ما يزدحم، ويمنح استراحة أهدأ بين موقعين كبيرين مكشوفين. خصص من 45 دقيقة إلى ساعة ونصف. وتكون مواعيد العمل عادةً من الثامنة صباحًا إلى الخامسة مساءً، وتتراوح التذكرة بحسب المصادر بين نحو 80 و200 جنيه للأجنبي البالغ في عام 2026، فتأكد عند البوابة.
والإرشادات المكتوبة محدودة، وهنا يفيد المرشد: فالمتحف يعرض شظايا، وشرح ما كان يحيط بها هو ما يجعله العاصمة التي خلف الأهرامات. وإن كنت تخطط لزيارة المتحف المصري الكبير فإن البدء بممفيس يمنح تمثاله الجرانيتي معنى أكبر.
أسئلة شائعة
هل كانت ممفيس عاصمة مصر ثمانمائة عام؟
لا تدعم المصادر فترة واحدة متصلة مدتها ثمانمائة عام. كانت ممفيس عاصمة الدولة في العصر العتيق والدولة القديمة التي تؤرَّخ بنحو 2686 إلى 2181 ق.م، وظلت مركزًا إداريًا ودينيًا مهمًا مدة أطول بكثير حتى تراجعت في أواخر العصور القديمة.
ما الذي بقي من ممفيس القديمة؟
القليل جدًا من المدينة نفسها. يعرض متحف ميت رهينة المفتوح التمثال الضخم الساقط من الحجر الجيري لرمسيس الثاني، وأبا الهول المصنوع من الألباستر، وبيت تحنيط عجول أبيس، وشظايا متفرقة من معبد بتاح.
هل تستحق ممفيس الزيارة؟
تستحق وقفة قصيرة إن كنت تريد رؤية التمثال الضخم وفهم المكان الذي حكم منه بُناة الجيزة وسقارة. الموقع صغير، لذا يُفضَّل إدراجه ضمن يوم أوسع لا جعله وجهة مستقلة.
كم تبعد ممفيس عن القاهرة والجيزة؟
تبعد ميت رهينة نحو 24 كم جنوب وسط القاهرة. وتستغرق الرحلة بالسيارة عادةً من 45 إلى 60 دقيقة من القاهرة أو الجيزة، وتقع سقارة بعدها بمسافة قصيرة.
أين يوجد الآن تمثال رمسيس الثاني الذي كان في ممفيس؟
هناك تمثالان ضخمان. الأول من الحجر الجيري ما زال راقدًا في ميت رهينة. أما الثاني من الجرانيت الأحمر الذي وقف في ميدان رمسيس بالقاهرة فهو في المتحف المصري الكبير منذ يناير 2018؛ راجع دليل تمثالَي رمسيس الثاني الضخمين.