جبل سيناء عند الفجر: مسيرة ليلية إلى حيث تلتقي الأديان الثلاثة

جبل سيناء عند الفجر: مسيرة ليلية إلى حيث تلتقي الأديان الثلاثة

في نحو الساعة الثانية صباحًا، وفي موقف للسيارات عند سفح كتلة جبال سيناء، تبدأ المصابيح الأمامية بالتوهج في الظلام. لا توجد لحظة واحدة محددة تُعلن بداية تسلق جبل سيناء رسميًا؛ فهي ببساطة تدفق هادئ من الحجاج والرحالة والأدلاء البدو ينتظمون في صف غير محكم على طريق لا يكادون يرونه، واثقين بمن يسبقهم وبالنجوم فوق رؤوسهم. وبحلول الوقت الذي تبدأ فيه السماء بالتضوء، يكون ذلك التدفق قد تحول إلى موكب هادئ يمتد على سفح الجبل، بضع مئات من الأشخاص لا يشتركون في شيء تقريبًا سوى قرارهم بأن يكونوا مستيقظين من أجل هذه اللحظة.

يُعرف هذا الجبل بأسماء عدة؛ جبل سيناء، جبل موسى، "جبل النبي موسى"، ويحمل وزنًا يتجاوز بكثير قمته المتواضعة البالغ ارتفاعها 2,285 مترًا. فالتقليد المتوارث يرى أن هذا هو الموضع الذي تلقى فيه النبي موسى الوصايا العشر، وهو ادعاء يجعل من هذه البقعة ذاتها من الجرانيت أرضًا مقدسة في اليهودية والمسيحية والإسلام في آن واحد. وعند سفحه يقع دير سانت كاترين، أحد أقدم الأديرة المسيحية المأهولة بشكل متواصل على وجه الأرض. وقلما يجمع مكان واحد هذا القدر من الطبقات التاريخية المتراكمة في شروق شمس واحد.

طريقان، وقمة واحدة

ثمة طريقان رسميان للصعود إلى جبل سيناء، ولا يسلك معظم الزوار سوى أحدهما. "طريق الجمال" (سكة البشايت) هو الخيار الأطول والأكثر سهولة؛ إذ يمتد نحو 7.5 كيلومترات من المنعطفات التي يمكن للجمال اجتيازها حاملةً راكبًا، ويرتفع تدريجيًا قبل أن يضيق إلى بضع مئات من الدرجات الحجرية في المرحلة الأخيرة نحو القمة. ويقطعه معظم المتسلقين في ساعتين إلى ثلاث ساعات. أما "درج التوبة" (سكة الطرابيع) فهو الطريق الآخر؛ سلم مباشر وشاق يضم أكثر من 3,750 درجة حجرية نحتها راهب منذ قرون كعمل توبة، ويُقال إنه نحتها درجة درجة. ويمكن لشخص لائق بدنيًا ومصمم على الصعود أن يقطعه في أقل من ساعة، بينما يحتاج معظم الآخرين وقتًا أطول بكثير.

يلتقي الطريقان عند هضبة أسفل القمة النهائية، تُعرف باسم "حوض النبي إلياس"، حيث تقف شجرة سرو عمرها خمسمائة عام تُشير إلى الموضع الذي يربطه التقليد بلقاء النبي إلياس بالله. ومن هناك، يفضي مقطع مشترك من الدرجات الحجرية؛ شديد الانحدار وغير منتظم وبارد حتى في الصيف، إلى صخرة القمة المكشوفة ذاتها. وتعتمد معظم الرحلات المنظمة طريق الجمال في الصعود، لأن اجتيازه في الظلام أكثر أمانًا بكثير من الدرج الشديد الانحدار، وتقدّم درج التوبة كخيار للنزول لمن يرغب في تجربة مختلفة في طريق العودة.

لماذا يُفضَّل التسلق في الظلام

ليس التوقيت اختيارًا جماليًا بقدر ما هو خيار عملي يرتدي حلّة روحية. فتسلق الجبل ليلًا يتجنب تمامًا حرارة النهار القاسية في سيناء، كما أن بلوغ القمة التي يبلغ ارتفاعها 2,285 مترًا عند الفجر يعني مشاهدة الشمس وهي تشرق فوق سلاسل جبال سيناء الوعرة المتراصفة، لا فوق صحراء مستوية؛ وهو نوع مختلف تمامًا من الشروق عما اعتاد معظم الناس رؤيته، إذ تتراصف خطوط التلال في البعد بدرجات متزايدة من اللون الصدئي والبنفسجي قبل أن ينبثق الضوء كاملًا.

تنطلق معظم الرحلات المنظمة من بلدة سانت كاترين في حدود منتصف الليل إلى الساعة الثانية صباحًا، بتوقيت يتيح للصعود أن يستغرق ما بين ساعتين ونصف إلى ثلاث ساعات، ويصل بهامش كافٍ للعثور على موضع بين الصخور قبل أن تتغير السماء فعليًا. ويمكن أن تقترب درجات الحرارة عند القمة قبيل الفجر من درجة التجمد حتى لو كانت أرض الصحراء أسفله ملتهبة في اليوم السابق، وهو التفصيل الذي يستهين به المتسلقون لأول مرة أكثر من غيره؛ فالملابس المتعددة الطبقات هنا لا تقل أهمية عن الماء.

شروق الشمس وهو ينبثق فوق سلاسل جبال سيناء المتراصفة، كما يُرى من قمة جبل موسى.
شروق الشمس وهو ينبثق فوق سلاسل جبال سيناء المتراصفة، كما يُرى من قمة جبل موسى.

قم بالتسلق بنفسك

قراءة وصف الشروق من قمة جبل سيناء والوقوف على القمة لمشاهدته تجربتان مختلفتان تمامًا. تتولى هذه الرحلة من إيجيبت صن ترافل كل تفاصيل التنظيم الليلي، والدليل البدوي المرافق، وزيارة دير سانت كاترين بعد ذلك، فلا يتبقى لك سوى المسير.

الدير الذي لم يُغلق أبدًا

يقع دير سانت كاترين عند سفح الجبل، وقد بُني بأمر من الإمبراطور البيزنطي جستنيان الأول واكتمل بناؤه نحو عام 530 ميلادية؛ ما يجعله واحدًا من أقدم الأديرة المسيحية المأهولة بشكل متواصل في العالم، إذ عاش فيه الرهبان وأقاموا شعائرهم داخل أسواره الغرانيتية الحصينة لما يقارب خمسة عشر قرنًا دون انقطاع. ويضم الدير الموضع التقليدي للعليقة المقدسة؛ الشجيرة التي يُنسب إليها التقليد أنها تلك التي شاهدها النبي موسى حين كان يرعى غنم حميه، ولا يزال بإمكان الزوار رؤية شجيرة عليق تنمو على جدار الكنيسة، يُقال إنها امتداد للشجيرة الأصلية بحسب الرواية المحلية.

وداخل هذه الأسوار يكمن ما هو أكثر إثارة للمؤرخين؛ مكتبة عاملة تضم أكثر من 3,300 مخطوطة قديمة، لا يفوقها في الأهمية سوى مجموعة الفاتيكان. ومن بين مقتنياتها أجزاء من مخطوطة سيناء القانونية (كودكس سينايتيكوس)، إحدى أقدم النسخ المخطوطة الباقية للكتاب المقدس المسيحي، وكذلك "العهدة المحمدية"، وهي وثيقة يُفهم تقليديًا أنها ميثاق حماية منح الدير إياه النبي محمد شخصيًا؛ تفصيل يعبّر، أكثر من أي شيء آخر هنا، عن كيف ظل هذا الموضع الواحد ذا أهمية لدى ثلاثة أديان مختلفة لما يزيد على ألف عام.

أرض مقدسة، مشتركة على ثلاثة أوجه

من الجدير التوقف عند ما يجعل هذا الجبل استثنائيًا؛ فقلة قليلة من الأماكن على وجه الأرض تحمل أهمية دينية متواصلة لدى اليهودية والمسيحية والإسلام في آن واحد. فبالنسبة للتقليد اليهودي، هذا هو موضع التجلي في سيناء، حيث أُعطي الميثاق. وبالنسبة للمسيحيين، يرتبط الموضع بالعليقة المقدسة وقرون من الحياة الرهبانية التي بُنيت حول صون تلك الذكرى. أما بالنسبة للإسلام، فجبل سيناء (طور سيناء) مذكور صراحة في القرآن الكريم، ويحمل الجبل والدير حمايات موثقة تعود إلى أولى سنوات التاريخ الإسلامي.

ولا يستلزم شيء من هذا من الزائر أن يعتنق معتقدًا بعينه ليشعر بوزنه. فمشاهدة بضع مئات من الغرباء يتسلقون الدرب الجبلي المظلم ذاته من أجل الشروق ذاته، لأسباب تتراوح بين التدين العميق ومحض الفضول، لها طريقتها في تذويب تلك الفروقات في شيء أكثر شمولًا؛ إدراك مشترك، ولو لصباح واحد، بأن بعض الأماكن تحمل أهمية تفوق أماكن أخرى.

جزء من رحلة أكبر

يكشف طريق النزول، في وضح النهار الكامل، عن مشهد طبيعي كان الصعود الليلي قد أخفاه؛ قمم جرانيتية خام، ومستوطنات بدوية مترامية بين ثنايا الصخر، وأسوار الدير الشاحبة تكبر أمام الناظر كلما اقتربت منها. وتختتم معظم الزيارات بجولة داخل دير سانت كاترين نفسه، في تباين هادئ يكاد يكون مربكًا بعد الجهد البدني والذروة الوجدانية التي عاشها الزائر على القمة قبل ساعات قليلة.

يقع جبل سيناء ودير سانت كاترين بعيدًا بعض الشيء عن مسار مصر السياحي الأكثر شهرة من الأهرامات ورحلات النيل، وهذه المسافة ذاتها جزء مما يجعل التجربة تترك أثرًا مختلفًا. فهو ليس نصبًا يُنظر إليه بقدر ما هو تجربة تُعاش، ولمصر التي بُنيت على طبقات متراكمة من التاريخ، يُعد هذا أحد الأماكن القليلة التي لا يزال فيها ذلك التاريخ حيًا بصدق واستمرار.

تابع الاستكشاف

يوميات السفر