تمتلك الصحراء الشرقية نوعاً خاصاً من الصمت؛ سكون شبه رنان ومربك قليلاً، سكون مكان خالٍ من ضجيج المرور وأصوات الطيور التي تنافس على انتباهك، لا شيء سوى الريح تتحرك فوق رمال ظلت، دون تغيّر يُذكر، في مكانها منذ آلاف السنين. ثم يصل صف من الدراجات الرباعية قادماً من اتجاه الغردقة، بمحركات تئزّ وتصدح في المساحة المفتوحة، وخلال الساعتين التاليتين يختفي ذلك الصمت تماماً.
هذا هو التناقض الكامن في جوهر رحلة السفاري الصحراوية في مصر، وهو أيضاً سر جاذبيتها. يأتي الزائر طلباً للضجيج والغبار المتصاعد خلف سيارة الكثبان الرملية المسرعة، ويغادر وقد علقت بذاكرته السكينة التي تعقب ذلك بالقدر نفسه؛ الشاي، وضوء النار، والهدوء المفاجئ في مخيم بدوي عند حافة العدم. قلّة من الرحلات الخارجة من الغردقة أو شرم الشيخ تحتشد بهذا القدر من التباين في عصر واحد.
صحراوان، وإحساس واحد
تنطلق معظم رحلات سفاري الدراجات الرباعية من الغردقة وشرم الشيخ، وتقع المنطقتان في مشهدين طبيعيين مختلفين فعلاً. فالصحراء الشرقية في الغردقة هي امتداد متموج من الرمال الناعمة والسهول الحصوية والتلال الصفراء المنخفضة، يمتد من ساحل البحر الأحمر نحو أفق يبدو متماثلاً في كل اتجاه إلى أن يتبدل فجأة. أما شبه جزيرة سيناء فهي أكثر حدّة ودراماتيكية؛ إذ ترتفع الجبال الجرانيتية مباشرة من الرمال حول سانت كاترين والمسارات الداخلية انطلاقاً من شرم الشيخ، فتمنح رحلة السفاري في صحراء سيناء خلفية أقرب إلى وادٍ قمري منها إلى نزهة نهارية في بلدة ساحلية.
كلتا المنطقتين صحراء من الناحية الفنية، وكلتاهما قادرة على خلق الأثر نفسه؛ ففي غضون عشرين دقيقة من مغادرة شريط فندقي مُصطفّ بكراسي الاستلقاء ومحال الهدايا، لا يبقى في الأفق أي أثر للعمران. هذا الانتقال أسرع وأشمل مما يتوقعه معظم الزائرين لأول مرة، وهو جزء كبير من السبب في أن رحلة السفاري الصحراوية، سواء بالدراجة الرباعية أو سيارة الكثبان، تبدو أقرب إلى رحلة فعلية إلى مصر مختلفة عن تلك التي تظهر في البطاقات البريدية، لا نشاطاً ترفيهياً مصطنعاً.
ما الذي تتضمنه الرحلة فعلياً
قبل أن يلمس أحد مقود التسارع، توجد جلسة توجيهية، وهي ليست اختيارية. تُرتدى الخوذة أولاً، ثم يشرح المدرّب أدوات التحكم على دراجة أو سيارة ثابتة؛ دواسة التسارع، والمكبح، وكيفية الانحناء عند الانعطاف فوق الرمال الرخوة، تليها جولة تدريبية قصيرة ليتسنى للمرشد تحديد من يحتاج إشرافاً إضافياً قبل انطلاق المجموعة. تسير الرحلات عادة في قافلة واحدة خلف مرشد رائد على دراجته الخاصة، مع مرافق خلفي في المؤخرة، وتُحدَّد أعداد المجموعات عادة بحجم يسهل التحكم فيه بدلاً من تركها تتشتت في الكثبان دون إشراف.
تستغرق الرحلة الكاملة، من باب الفندق في الغردقة أو شرم الشيخ وإليه، عموماً ما بين ثلاث وخمس ساعات، رغم أن وقت القيادة الفعلي فوق الكثبان أقصر من ذلك؛ غالباً ما بين ساعة ونصف وساعتين، تتخللها محطات توقف. أما سيارات الكثبان الرملية، التي تتسع لشخصين وتضم قفصاً واقياً وأحزمة أمان، فهي الخيار الأهدأ لمن يشعر بالقلق إزاء قيادة دراجة رباعية بمفرده؛ والدراجات الرباعية نفسها أوتوماتيكية، أي لا تتطلب تبديل التروس، وهذا جزء من السبب في تمكّن الزائرين الذين لا خبرة لديهم إطلاقاً من المشاركة أصلاً.
انطلق إلى الكثبان
إذا كانت الرمال والمحركات وكوب الشاي عند ضوء النار تبدو لك أمسية مثالية، فإن رحلات السفاري الصحراوية مع إيجيبت صن ترافل تتكفل بالمركبة والمرشد ومحطة التوقف البدوية، ولا يتبقى عليك سوى التمسك جيداً.
شاي مع البدو، لا استعراض له
تتوقف المحركات عند مخيم بدوي في منتصف معظم برامج الرحلة تقريباً، ويحدث تبدّل الإيقاع على الفور. تقوم الضيافة البدوية على منطق قديم ومحدد؛ فالضيف الذي دخل فضاءك يستحق الشاي والظل والحديث، مهما قصرت مدة مروره. الشاي نفسه عادة ما يكون شاياً أسود قوياً شديد التحلية، يُحضَّر أحياناً بالنعناع الطازج أو الأعشاب المحلية، ويُقدَّم في أكواب زجاجية صغيرة لا في فناجين، وهو تفصيل يعود أصله إلى التقاليد البدوية لا إلى أسلوب مُعدّ للسياح.
يتفاوت ما يجري في المخيم بحسب الجهة المنظّمة، لكن النسخة الصادقة منه تتضمن الجلوس على وسائد منخفضة أو سجاد داخل خيمة منسوجة، وتناول ذلك الشاي، والتحدث، عبر مرشد عند الحاجة، مع أناس تعيش عائلاتهم في هذه البقاع المحددة من الصحراء منذ أجيال، قبل وجود أي رحلة سفاري تجلب إليها الزوار بزمن طويل. تضيف بعض المحطات نارجيلة، أو خبزاً مسطحاً يُخبَز على قبّة معدنية ساخنة، أو شرحاً موجزاً عن النباتات الصحراوية وكيفية العثور على الماء وتخزينه تاريخياً. لا شيء من ذلك تمثيلية معادة؛ إنه مجموعة أعراف أقدم فعلاً، تُفتح لبرهة أمام الغرباء.
الساعة التي يأتي من أجلها الجميع في الحقيقة
تُحدَّد مواعيد رحلات السفاري الصحراوية عند الغروب بعناية، وهذا التوقيت هو بيت القصيد. فألوان الكثبان التي تبدو بنّية باهتة عند الظهيرة تتحول عبر الذهبي والنحاسي إلى بنفسجي عميق مع انحدار الشمس نحو التلال، وينكسر أخيراً حرّ النهار إلى درجة حرارة مريحة بما يكفي للوقوف ساكناً والتأمل حول المرء. المرشدون العارفون بالتضاريس يميلون عادة بالجزء الأخير من المسار نحو كثيب أو حافة مرتفعة خصيصاً كي تكون المجموعة في موضعها حين يتحول الضوء.
وما يتبع الغروب، إن امتدت الرحلة إلى بداية المساء، هو ربما الجزء الأكثر رسوخاً في الذاكرة؛ ظلام صحراوي تام، خالٍ من أي تلوث ضوئي يُخفّت وهج السماء فوق الغردقة أو شرم الشيخ. تظهر النجوم بأعداد تُدهش حقاً زوّاراً قادمين من مدن كبرى، وذلك الظلام، مقروناً بدفء الرمال المتلاشي تحت الأقدام، هو عادة أول ما يصفه الناس حين يُسألون عن الرحلة لاحقاً، لا الدراجات الرباعية.
وجه آخر للبلد نفسه
تحكي معالم مصر الكبرى؛ الأهرامات، ومعابد الأقصر، والنيل نفسه، قصة الحضارة المستقرة؛ الأنهار والزراعة والأسر الحاكمة والحجر المبني ليدوم أطول من الإمبراطوريات. أما الصحراء فتروي النصف الآخر من تلك القصة، قصة أولئك الذين لم يستقرّوا قط، والذين بنوا أسلوب حياة حول الندرة والمسافة قبل وجود أي من تلك المعالم بزمن طويل، ولا يزالون، في جيوب متفرقة، يعيشون اليوم ما يقارب ذلك النمط من الحياة.
بضع ساعات على متن دراجة رباعية أو سيارة كثبان لن تُعلّم أحداً الصحراء كما يفعل عمر كامل فيها، وهي لا تدّعي ذلك. لكنها تضع التباين مباشرة أمامك؛ من الفندق إلى الرمال المفتوحة في عشرين دقيقة، ومن هدير المحركات إلى كوب شاي هادئ، وأخيراً إلى سماء تحمل من النجوم أكثر مما رآه معظم المسافرين منذ سنوات. هذا التباين، أكثر من الرحلة نفسها، هو عادة ما يبقى عالقاً في الذاكرة.